القرطبي
325
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وبروزها ، فكل ناتئ بارز كعب ، مستديرا كان أو غير مستدير . ومنه كعب القدم وكعوب القناة . وكعب ثدي المرأة إذا ظهر في صدرها . والبيت سمي بذلك لأنها ذات سقف وجدار ، وهي حقيقة البيتية وإن لم يكن بها ساكن . وسماه سبحانه حراما بتحريمه إياه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ] وقد تقدم أكثر هذا مستوفى والحمد لله . الثانية - قوله تعالى : ( قياما للناس ) أي صلاحا ومعاشا ، لامن الناس بها ، وعلى هذا يكون " قياما " بمعنى يقومون بها . وقيل : " قياما " أي يقومون بشرائعها . وقرأ ابن عامر وعاصم " قيما " وهما من ذوات الواو فقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها . وقد قيل : " قوام " . قال العلماء : والحكمة في جعل الله تعالى هذه الأشياء قياما للناس ، أن الله سبحانه خلق الخلق على سليقة الآدمية من التحاسد والتنافس والتقاطع والتدابر ، والسلب والغارة والقتل والثأر ، فلم يكن بد في الحكمة الإلهية ، والمشيئة الأولية من كاف يدوم معه ( 1 ) الحال ووازع يحمد معه المآل . قال الله تعالى : " إني جاعل في الأرض خليفة " ( 2 ) [ البقرة : 30 ] فأمرهم الله سبحانه بالخلافة ، وجعل أمورهم إلى واحد يزعهم ( 3 ) عن التنازع ، ويحملهم على التآلف من التقاطع ، ويرد الظالم عن المظلوم ، ويقرر كل يد على ما تستولي عليه . روى ابن القاسم قال حدثنا مالك أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يقول : ما يزع الامام أكثر مما يزع القرآن ، ذكره أبو عمر رحمه الله . وجور السلطان عاما واحدا أقل أذاية من كون الناس فوضى لحظة واحدة ، فأنشأ الله سبحانه الخليفة لهذه الفائدة ، لتجري على رأيه الأمور ، ويكف الله به عادية الجمهور ( 4 ) ، فعظم الله سبحانه في قلوبهم البيت الحرام ، وأوقع في نفوسهم هيبته ، وعظم بينهم حرمته ، فكان من لجأ إليه معصوما به ، وكان من اضطهد محميا بالكون فيه . قال الله تعالى : " أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم " ( 5 ) [ العنكبوت : 67 ] . قال العلماء : فلما كان موضعا مخصوصا لا يدركه كل مظلوم ، ولا يناله كل خائف جعله الله الشهر الحرام ملجأ آخر وهي :
--> ( 1 ) في ج ، ك ، ب وع : مع . ( 2 ) راجع ج 1 ص 271 . ( 3 ) في ك : يزجرهم . ( 4 ) في الأصول : الأمور . والتصويب من ابن العربي . ( 5 ) راجع ج 13 ص 363 .